عماد الدين خليل

79

دراسة في السيرة

الفصل الثالث مسائل من العصر المكي [ 1 ] ليس بإمكان أي مؤرخ أن يحدّد الأبعاد الكاملة لطبيعة اللقاء الأول ، وما تلاه من لقاآت بين الوحي الكريم وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم . . وكل ما ذكرته الروايات ، اعتمادا على رؤية الرسول وهو يتلقى الوحي ، أو أحاديثه القصيرة الموجزة بهذا الصدد ، لا يعدو أن يكون ( وصفا ) خارجيا للتجربة التي تمخض عنها البناء القرآني المعجز . . وما دام الأمر في امتداده وغيابه يندّ عن المشاهدة المباشرة والفحص التجريبي باعتباره أمرا ( غيبيا ) ، فليس من السهل أن نخوض فيه ، كما أنه ليس من السهل أن نخوض في أي من الأمور الغيبية التي لم يتح لأجهزتنا الحسيّة والعقلية التعامل معها ، والإحاطة بأبعادها علما . وكل المحاولات - الشرقية والغربية - التي جهدت من أجل تحليل تجربة ( الوحي ) تحليلا يخضعها في نهاية الأمر للمعرفة البشرية المحدودة ، وقعت في الخطأ من حيث أنها اعتمدت الظن والتخمين في مسألة من أخطر المسائل الغيبية . . والأهم من ذلك هو ما تمخض عنه هذا الأسلوب الإلهي في تعليم البشرية ، والذي يعدّ من المصادر اليقينية للمعرفة . فالقرآن - إذن - والحركة الإسلامية التي رافقته ، على خط متواز صاعد ، هما اللذان يجب أن ينصبّ عليهما البحث والتحليل ومحاولة الإحاطة ، من أجل أن تكون المحاولة جادة وليست ضربا في غير هدف ! لقد تنزل الوحي على الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أعقاب فترة زمنية طويلة ، جاوزت الأربعين عاما ، كانت الإرادة الإلهية تهيء فيها - كما رأينا - الممهدات البيئية والوراثية لتكوين ( الشخصية ) التي سيلقى على عاتقها حمل مسؤولية الرسالة